محمد حسين هيكل

262

حياة محمد ( ص )

رسول اللّه : وما يدريك يا عمر لعل اللّه قد اطّلع إلى أصحاب بدر يوم بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم . وكان حاطب من أصحاب بدر . وإذ ذاك نزل قوله تعالى : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ) « 1 » . مسيرة جيش المسلمين وتحرّك جيش المسلمين من المدينة قاصدا مكة ليفتحها ، وليضع يده على البيت الحرام الذي جعله اللّه مثابة للناس وأمنا . تحرّك هذا الجيش في عدد لا عهد للمدينة به ؛ فقد بعثت القبائل ، من سليم ومزينة وغطفان وغيرها من انضم إلى المهاجرين والأنصار وسار معهم في يلب « 2 » الحديد يسيلون في فسيح الصحراء ، حتى كانوا إذا ضربوا خيامهم اكتست بها رمال البيداء فما يكاد يبدو منها للناظر شيء . تحركوا وأغذّ هؤلاء الألوف سيرهم ، وصاروا كلما نقدموا فيه انضم إليهم من سائر القبائل من زاد عددهم وزاد منعتهم ، وكلهم ممتلئ النفس بالإيمان أن لا غالب لهم من دون اللّه . وسار محمد على رأسهم وأكبر همه وكل تفكيره أن يدخل البيت الحرام من غير أن يهرق قطرة دم واحدة . وبلغ الجيش مرّ الظّهران « 3 » وقد كملت عدّته عشرة آلاف لم يصل إلى قريش من أمرهم خبر ، فهي في جدل مستمر ماذا تصنع لاتقاء عدوة محمد عليها . خروج بني هاشم إلى النبي وإسلامهم أما العباس بن عبد المطلب عم النبي فقد تركهم في جدلهم وخرج مع أهله حتى لقي محمدا بالجحفة « 4 » . ولعل طائفة من بني هاشم كانت بنبأ أو شبه نبأ من خروج النبيّ ، فأرادت أن تلحق به دون أن يصيبها أذى . فقد خرج سوى العباس أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بن عم النبيّ ، وعبد اللّه بن أبي أمية بن المغيرة بن عمّته ، حتى اتصلا بجيش المسلمين بنيق العقاب ، واستأذنا على النبيّ ، فرفض أن يأذن لهما ، وقال لزوجه أمّ سلمة حين كلمته في أمرهما : لا حاجة لي بهما . أما ابن عمي فقد أصابني منه سوء . وأما ابن عمتي وصهري فقد قال بمكة ما قال . وبلغ أبا سفيان هذا الكلام فقال : واللّه ليؤذننّ لي أو لآخذن بيد بنيّ هذا ثم لنذهبنّ في الأرض حتى نموت عطشا وجوعا . فرقّ محمد ، ثم أذن لهما فدخلا عليه فأسلما . ورأى العبّاس بن عبد المطلب من جيوش ابن أخيه ومن قوتّه ما راعه وأزعجه . وهو إن كان أسلم فإن ذلك لم يخل قلبه من خشية ما يحل بمكة إذا دهمها هذا الجيش الذي لا قبل لقوّة في بلاد العرب به . أوليس قد ترك مكة منذ حين ، وله بها من الأهل والخلّان والأصدقاء من لم يقطع الإسلام الذي دان به من وشائجهم ! ولعله أفضى بمخاوفه هذه إلى الرسول وسأله ؛ ماذا يصنع إذا ما طلبت قريش أمانه ؟ ولعل ابن أخيه سرّ بمفاتحة العبّاس إياه في هذا ، ورجا أن يتّخذ منهن سفيرا يلقي في قلوب القوم من قريش الرعب فيدخل مكة من غير أن يسفك دما ، وتظلّ مكة حراما كما كانت وكما يجب أن تكون . وجلس العباس على بغلة النبيّ البيضاء وخرج عليها حتى جاء ناحية الأراك ، لعله يجد حطّابا أو صاحب لبن أو أي إنسان ذاهبا إلى مكة ، يحمله إلى أهلها

--> ( 1 ) سورة الممتحنة آية / 1 . ( 2 ) اليلب : الدروع . ( 3 ) على أربعة فراسخ من مكة . ( 4 ) ويذهب بعض كتاب السير إلى أنه لقي الجيش برابغ . أما آخرون فيقولون إن العباس ذهب إلى المدينة قبل التصميم على فتح مكة وأسلم وسار مع جيش الفتح . ويدحض كثيرون هذه الرواية ويزعمونها وضعت إرضاء للعباسيين الذين كتبت السيرة أول ما كتبت في عهدهم . ويؤيدون رأيهم هذا بأن العباس ، على نصرته لابن أخيه مذ كان بمكة ، لم يتابعه على دينه ، لأن العباس كان تاجرا ومرابيا ، وكان يخشى ما يجره الإسلام على تجارته من مضرة . ويزيدون أنه لو كان العباس قد أسلم وهاجر ، لكان في مقدمة من ذهب إليهم أبو سفيان للتحدث في إطالة مدة عهد الحديبية لقرب عهده بمكة .